عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين | ملتقى سيرة خلفاء سيد المرسلين
عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين

عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صلى وسلم وبارك على سيد ولد آدم سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائما إلى يوم الدين وبعد: إن الله جل وعلا خلق الخلق لعبادته: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، ولما خلقهم لهذه العبادة وجعلها العلة في خلقهم أرسل الرسل إليهم ليُضحوا عبادة الله، ويقيموا حجة الله قال جلَّ وعلا: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، وأخبرنا تعالى أن الرسل جميعاً دعوتهم واحدة دعوة إلى توحيد الله، وإخلاص الدين لله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)، بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين ليقوموا حجة الله على العباد:(رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)، وهؤلاء الرسل متفاوتون في الفضل قال الله جلَّ وعلا: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)، واختار الله أولي العزم منهم وهم نوح عليه السلام وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، هؤلاء أولوا العزم من الرسل قال جل وعلا: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ)، فهؤلاء أفضل الأنبياء على الإطلاق نوح عليه السلام وإبراهيم الخليل، وموسى وعيسى وسيدهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، اختار الله الخليلين إبراهيم ومحمداً صلى الله عليه وسلم، ثم اختار محمداً صلى الله عليه وسلم فجعله أفضل الأنبياء، وجعله سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين، بعثه الله رحمةً للعالمين: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، فهو رحمة لأهل الأرض كلهم جميعا، لأنه لما بعث وكان في الأرض ملل متصارعة كل ملة تقضي على الأخرى إذا ظفرت بها، والناس في ضلال وجهل ومصائب عظيمة، الأرض طبقها جهل عظيم وضلال مبين، فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل، واندراس من العلم والهدى بعثه بهذه الملة الحنيفية الخالصةً لله جل وعلا، وأمتن الله على بعثته فقال جل وعلا: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، إنها منة كبرى، ونعمة عظيمة من الله، أن بعث فينا محمداً صلى الله عليه وسلم، لقد كان الناس في ضلال وظلمات الجهل بعضها فوق بعض: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)، كانوا غارقين في جهالتهم، غارقين في ضلالاتهم، متفاوتين في معبوداتهم، يعبدون الأشجار والأحجار والجنَّ والملائكة وكل ضلال يعلق في نفوسهم، فجاء الله بهذا النبي الكريم ليرحم به أهل الأرض رحمةً واسعة، فمن تبعه واقتدي بسنته، وعمل بشريعته، فإنه رحمة له في الدنيا والآخرة، ومن خضع لحكمه ولم ينقد لشريعته لكنه خضع لحكمه فقد رحمه بحقن دمه، وحفظ ماله وعرضه قال جلَّ وعلا: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، وقال في الحج: (وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ)، فهذه نعمة من الله على العباد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، هذا النبي الكريم، الذي منَّ الله ببعثته، وهدانا الله على يده وجعله سببا لكل خير لنا من رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه، له على أمته حقوق متعددة وواجبات متعددة، فأعظم حق له علينا أن نؤمن به ونصدق رسالته، ونعتقد حقا أنه رسول الله وخاتم أنبياء الله ورسُله، لا نبيا بعده ولا شريعةً بعد شريعته: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، فهو آخر خاتم جميع الأنبياء، فلا نبياً بعد نبوته، ولا شريعةً بعد شريعته، لأن شريعته أكمل الشرائع: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)، ولأن الشرائع السابقة قد حرفت وبدلت وغيرت وزيد ونقص فيها فلم تؤدي غرضها، فجاء هذا الدين كامل من كل أحوله ليكون منهاجاً للناس في هذه الحياة، فأكلمه الله وأتمه ورضي له دينا: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)، فلما أكمل هذا الدين جعله نعمة علينا من نعم الله علينا، فما أنعم الله من نعمة أعظم من مبعث هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه، وصفه الله بأنه رحيم بهم يعزوا عليهم: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، فهو يحرص على هداية الخلق، عزيز عليهم ما يعنتم قال جل وعلا: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)، فأعظم حق له علينا أن نؤمن به ونصدق به، أنه رسول الله حقا، جاءنا من عند الله بالهدى ودين الحق، وأنه رسول الله إلى قيام لساعة، فمنذ أن بعث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فهو نبي الأمة ورسولها صلوا ت الله وسلامه عليه، لقد كان الرسل قبل محمد كل رسول يخص بدعوته لقومه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَكَانَ النَّبِىُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً"، فكان كل نبي يبعث لقومه ومحيطه، أما هو صلى الله عليه وسلم فمبعوث لجميع الثقلين الجن والإنس منذ بعث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، يقول صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَسْمَعُ بي يَهُودِي وَلاَ نَصْرَانِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ثُمَّ لا يُؤْمِنْ بي إِلاَّ دخل النَّارِ"، فمسمى الإسلام كان يطلق قبل الإسلام على اتباع الأنبياء، وبعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم اختص الإسلام بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم قال الله جل وعلا: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)، وقال: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ)، فالدين الحق، والدين الصدق هو الذي بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، شرائع الأنبياء حق وصدق ونؤمن بها لكنها انتهى دورها بانتهاء أهلها، أما هذا النبي الكريم فشريعته للثقلين الجن والإنس عامة وشاملة، وقد أوجب الله على أهل الأرض اتباع هذا النبي الكريم والانقياد له قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)، فهو مبعوث لكل الخلق جميعا جِنَّهِم وإنَّسهم، من حقه علينا صلى الله عليه وسلم أن ننصره ونذب عن شريعته ونحميها ونصونها عن كل ما علق فيها قال جل وعلا: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)، فاتباعه وعزره والدفاع عن سنته وعن ذاته الكريمة، خلق أهل الإيمان، فالذب عن سنته وحميتها من قدح القادحين، وكراهية الكارهين، أمر مطلوب من المسلم على قدر استطاعته، ومن حقه علينا صلى الله عليه وسلم أن نحببه المحبةً الصادقة، محبةً فوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، فمحبته صلى الله عليه وسلم أصلها أساس الإيمان، وكمالها أن تحبه محبة فوق محبة الأهل والنفس والولد والوالد والناس أجمعين يقول صلى الله عليه وسلم: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"، والله جل وعلا يقول: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ)، فعلامة محبته صلى الله عليه وسلم إنما تكون باتباع سنته والعمل بشريعته وتطبيقها في كل قليل وكثير، قال الله جل وعلا: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)، فامتحن الله من ادعى محبته باتباع هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فإن من ادعى محبة الله لابد أن يطبقها على أرض الواقع بأن يتبع محمداً صلى الله عليه وسلم ليبرهن أن محبته محبةً صادقة لا محبة ادعاء وافتراء، فالكل يدعي المحبة؛ ولهذا امتحنهم الله بقوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، قال رجل يا رسول الله: إني أذكرك فلا استقر في بيتي حتى أراك ولكن إذا ذكرت بعد الموت وعلوا منزلنا حتى حزنت على ذلك فأنزل الله: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً)، فمحبته صلى الله عليه وسلم يبينها واقع الإنسان من اتباع سنته والعمل بشريعته وتطبيقها التطبيق التام، فعلى تطبيق السنة وعملك بها والتزامك بها تكون محبتك الصادقة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن حقه علينا صلى الله عليه وسلم أن نحكم سنته ونتحاكم إليها ونرضى بحكمه ونسلم وننقاد ولا يكون في صدورنا حرج ولا ضيق بل نحكم السنة ونتحاكم إليها ونحكمها على أنفسنا ونرضى بها ولا يكون في صدورنا حرج ولا مشقة؛ بل تنشرح صدورنا بذلك: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)، (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي في الخلافة بينهم وما تنازعوا فيه، قال جل وعلا: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، فمن حقه علينا أن نحكم سنته ونتحاكم إليها ثم نرضى بحكم ذلك، ونطمئن بذلك وتنشرح صدورنا لذلك، ولا يكن تردد ولا توقف ولا شك ولا ارتياب؛ بل نعلم أن حكمه الحكم العادل وقضاه هو الحق لأن: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)، ومن حقه علينا أن نخضع أهوائنا ومرادنا لسنته صلى الله عليه وسلم، يقول صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به"، فيكون هوى الإنسان تابعًا لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، لا يكون هوا غير ذلك؛ بل هواه وميوله ومراده خاضع لهذه السنة فما قاله صلى الله عليه وسلم فهو حق وما حده حكم به هو العدل، وما أمر به فهو واجب الأمر، ومن حقه علينا صلى الله عليه وسلم أن نقبل سنته ولا نردها للأهواء قال جل وعلا: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)، فإذا قضى الله أمرا أو رسوله ما في تخير؛ بل عندنا الالتزام والاستجابة والسمع والطاعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، فالواجب علينا أن نقبل قوله ولا تكون خيرة في ذلك؛ بل نعلم أن قوله الحق وحكمه العدل لا شك ولا ارتياب عند المسلم في ذلك، ولها كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أحرص الناس على تطبيق هذه السنة حدث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استأذنت أحدكم على امرأته في المسجد فلا تمنعها"، فقال ابن لعبد الله: والله لنمنعهن، غيرة لله وخوفاً على النساء، قال عبد الله: أقول لك قال رسول الله وأنت تقول: لنمنعهن، والله لا أكلمك أبدا، وإن كان قصده غيرة لكن لا يريد أن يقابل السنة برفضها وردها لا؛ بل يستجيب ويطيع ولو عبر بعبارة بأخرى لكان أولى، ولما قال أحد الصحابة لابنه إن النبي منع الخذف وقال: إنه يفقأ العين ويكسر السن، ولا يقتل صيدا ولا ينكأ عدوا، فخذف ابنه بالحصاة، فقال: أحدثك عن رسول الله وتعلم خلاف ذلك والله لا أكلمك أبدا، كل ذلك حرصا منهم على تطبيق السنة والمحافظة عليها والخضوع لها والاستسلام لها، والاستجابة لها، وأن لا نقدم أي رأي عليها، قال رجل لابن عمر رضي الله عنهما إنك تأمر بمتعة الحج وإن أباك ينهى عنها، قال: أسنة رسول الله أحق أن تتبع أو عمر، وقال عباس رضي الله عنهما لما أمر بالمتعة ورغب بالحج فقال: إنها السنة وعارض من عارض قال: يوشك أن يوقع عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر، فإذا كان أبو بكر وعمر وهما منهما لا يقدمان على السنة فكيف بتقديم من دونهم وسواهما أضعاف أضعاف، إذا فمن حقه علينا أن نقدم سنته وحكمه على حكم أي حاكم ورأي أي رأي نطرح الآراء والأهواء إذا خالفت السنة لأنها الميزان العادل، فكل قول أو رأي يعرض على الكتاب والسنة فما وافق الكتاب والسنة فهو الحق المقبول، وما خالفه فهو الباطل المردود مهما كان قائله ومهما كان منسب إليه. أيها المسلم: إن السنة يجب العمل بها وتطبيقها نهى النبي لرجل يأكل بشماله قال:" كُلْ بِيَمِينِكَ". قَالَ لاَ أَسْتَطِيعُ قَالَ: "لاَ اسْتَطَعْتَ، مَا مَنَعَهُ إِلاَّ الْكِبْرُ"، قال بعضهم: فما رفع يديه اليمنى قط، لأن رد السنة قال: لا استطعت لأنه لم يأكل بيمنه أكل بشماله، قال: لا استطعت قال فما رفع إلا عوقب والعياذ بالله بأن شلت يمنه حتى لا يرفع إلا فيَّه، عقوبة عاجلة لمن خالف السنة وتكبر عليها وردها، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكبر قال:" الكبر بطر الحق وغمط الناس" فالكبر مذموم أن تبطر الحق وترده ولا تقبله وتقد على أي رأي أو هوى، فلواجب على المسلم أن يؤمن برسول الله أن يقبل قوله وأن يحكمه على نفسه ويقول سمعنا وأطعنا، أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)، فجاء الصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: كلفنا من العمل ما نطيق الصلاة والصيام وقد أنزل الله عليك آية، قال:" ما هي؟" قال: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)، قال: "أتريدون أن تقول سمعنا وعصينا، قولوا سمعنا وأطعنا"، فلما اقترأها القوم وذلت به ألسنتهم، قال الله بقوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) الآية. أيها المسلم: ومن حقه علينا صلى الله عليه وسلم أن نصليه ونسلم عليه دائما أبدا إلى يوم الدين، فإن الصلاة عليها عبادة وطاعة لله يقول الله جل وعلا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)، ويقول صلى اله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صلاة وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بها عَشْرًا"، الذي يتبع سنته وينصرها ويعليها ويرفعها لابد أن ينال الخير في الدنيا والآخرة، والذي يذل سنته أو يسخر بها أو يسيء الظن بها فلا بد أن يبتره الله في الدنيا والآخرة: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)، فالمبغض للسنة والمعادي لها والكاره لها لا بد أن يعاقب والعياذ بالله لأن هذا دليل على عدم الإيمان الصادق بمحمد صلى الله عليه وسلم ولذا قال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)، ورسول الله صلى الله عليه وسلم محبته ونصرته دين يدين الله به. أيها الأخوة: ما يخفى على الجميع ما حصل من قيل وقال، وما تفوهت ألسنة الحاقدين والكارهين له صلى الله عله وسلم من حقد دفين وغل في نفوسهم حيث طعنوا في هذا الرسول الكريم وصوروا صورا قبيحة ولمزا بها ونسبوا إليه وافتروا عليه ما افتروا لاشك أن هذا ليس غريب فأعداءه صلى الله عليه وسلم دائما كذا، في عهد قالوا: ساحر، قالوا: مجنون، قالوا: كذاب، قالوا: مفتر، قالوا ما قالوا ولكنها كلها ولله الحمد كلها ضلال وباطل، فهذه الدعاية المضللة من هنا وهناك يقصد بها أولاً: الإساءة للمسلمين، وإلحاق الضرر بهم، الحط من قدر الإسلام، لما رأوا الإسلام في تقدم وانتشار وعز وأن الدخول فيه كثير وأن هذا الدين اكتسح كثير من العالم، وأصبح السنة واضحة، وأصبح الحق واضحاً، أرادوا صرف الناس عن هذا الحق بما فعلوه وبما قالوا، ولكنها ولله الحمد لا تؤثر على الجانب النبوي ولا تنقص من قدره ولا تؤذي المسلم، المسلم يعلم أن هذا غيظ من فيض والله يقول: (قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)، يعني أن هؤلاء ما ظهر من ألستتهم قليل وفيض من غيظ، وما يكنونه من بغض لهذا النبي الكريم وكراهية له ليس هذا بأمر خافي، والله جل وعلا قال عن كفار قريش: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، فالمسلم موقفه من هذه الأمور أن يعلن السنة ويرد على هذه المقالات الباطلة بمناقشة هادفة يدحض بها حجج المبطلين وأراء الكذابين بالحق المبين بدون أي أمور تخل، وإنما ينشر السنة ويعليها ويظهرها تبينا للحق ودحضاً للباطل. أيها المسلم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم أكمل الحقل على الإطلاق قال الله جل وعلا: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فخلقه عظيم، خلق عظمه الله ووصفه بأنه عظيم، فخلقه وسيرته في نفسه، سيرته مع أصحابه، سيرته مع أهل بيته، سيرته مع عماله، سيرته مع كل من تعامل معه، هي السيرة الكاملة والحياة الطيبة صلوات الله وسلامه عليه، فعلى المسلم حقا أن يؤمن به، ويصدق به ويسأل الله الثبات على هذا الدين والاستقامة على هذه الشريعة والثبات عليها. أيها الأخوة: نحن في زمن كثر فيها المغريات ومضلات الفتن والمصائب العظيمة، من قنوات فاسدة ودعايات مضللة، ومواقع إجرامية، تحمل في طياتها كل البلاء، وكل الشر، وكل العداء لهذا الدين وأخلاقه وقيمه؛ ولكن على المسلم أن يجتنب هذه المواقف قدر ما يستطيع وأن لا ينظر إليها لأن في النظر إليها شبها عظيمة قد تنقد شبهة في قلبه يعجز عن ردها وإلا فهي في ضلال، ويجب الحذر منها ورد هذا الباطل ودحض هذه الحجج الباطلة بأسلوب مؤثر مبني على الحق لا تشنج؛ ولكن بأسلوب جيد مبني على حقائق ليرد بها الباطل ليدحض بها الباطل الذي نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى سنته، إن تمسكنا بسنته وعملنا بها وتحكيمنا بها والرضا بأحكامها هو من أقوى الأسباب لدحض المبطلين، الذين ربما لما رأوا بعض المسلمين قد أخلوا بهذه السنة النبوية طعنوا في الدين من باب إهانة بالمسلمين والحط من قدر هذه النبي الكريم؛ لكن موقف الإسلام من بين أمرهم يرون الحق باطلا ويرون الباطل حقا، يدحضون الباطل بالحق: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً)، فالحق يعلو ولا يعلا عليه، لكن بأمس الحاجة إلى رجل صادقين فيما يقولون وفيما يكتبون، لأن الصدق والإخلاص من أسباب نصر هذه الدين، والذب عنه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه. إن محبة المسلم لرسول الله تكون في جميع شؤون حياته، في أكله، في شربه، في نومه، في يقظته، في جميع أحواله، يطبق السنة على قدر ما يستطيع ويعمل بها ويؤمن بها ويطبق آدابها ويتلقها بالقبول، ويعلم أنها حق، شهد رجل يغطى رجل بكيس فقال: يا رجل ما لك؟، قال: إني بلغت السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول رأسه رأس حمار"، وكأني سخرت بهذا فعقبت بأن حول رأسي إلى رأس حمار، لأن مخالف السنة مصيبة، السنة إن عملت أجرت، إن تركتها قصرت؛ لكن السخرية بها والاستهزاء بها وتنقصها وعدم الإتيان بها هذه مصيبة عظيمة، فعلى المسلم أن يعلم السنة ويعمل بها وإن لم يعمل فليتقي الله وإياه أن يسخر بها أو يستهزئوا بها أو يحط من قدرها، لان الاستهزاء بها ضلال قال الله جل وعلا: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)، فالذين سخروا واستهزئوا بهذا النبي وقالوا عنه ما قالوا من أصحابه كفرهم الله إيمانا، وبعد هذه الاستهزاء والسخرية كفروا بذلك، بأن سب هذا الكريم ردة على الإسلام؛ بل يرى بعض العلماء أن هذا الساب لرسوله لا تقبل توبته يقتل فورا لأنها حق لرسول الله لو كان في حياته له الحق أن يتنازل؛ لكن بعد موته حقه أن ينفذوه ليقيموا الحجة على العباد لأن هذا النبي نبي أمة أشرف الخلق وأفضله، فلا يجوز النيل منه صلى الله عليه وسلم؛ بل يجب احترام سنته واحترام ذاته، نحن لا نغلوا في غلو النصارى، نحبه ونجله ونواليه صلى الله عليه وسلم؛ لكنها محبةً إيمانية، أما أولئك الذين يغلون في ذاته ويطرينه كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم هذا خلاف أمر الشرع، يقول صلى الله عليه وسلم: " لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا البيوت قبور ولا تتخذوا قبري عيدا"، وقال: "صلوا علي فإن صلاتكم تبلغوني أينما كنتم"، وقال: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام"، فمن صلى عليه وسلم في أقصى الشرق أو غربها بلغوه الله بلاغ المصلي عليه صلوات الله وسلماه عليه أبدا دائما إلى يوم الدين، والمسلم يؤمن به، ويرجو من الله أن يكون معه في دار كرامته، وإن يشرب حوضه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، لأن المسلم كلما عظم السنة في نفسه وقام بها تقربا واحتسابا لله فإن الله يثيبه على العمل بالسنة وإحياءها خيرا كثير، فينال خير كثير، يقوى إيمانه ويقوى يقينه، فنسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على محمد.

drsodio: 
http://kholfa.af.org.sa/sites/default/files/mufti--14331106.mp3
videofile: